فخر الدين الرازي

239

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

والظرفاء يريد بذلك قوما بأعيانهم يصفهم بالأمرين وقال تعالى : الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ [ التوبة : 112 ] وهذا وصف لطائفة واحدة ، وفي القرآن من هذا الباب كثير ، وهو أن ينعت قوم بنعوت شتى ، يعطف بعضها على بعض بواو العطف ويكون الكل وصفا لموصوف واحد . السؤال الثاني : المجوس هل يدخلون في أهل الكتاب ؟ قلنا : ذكر بعض العلماء أنهم داخلون في أهل الكتاب لقوله عليه السلام : « سنوا بهم سنة أهل الكتاب » وأنكره الآخرون قال : لأنه تعالى إنما ذكر من الكفار من كان في بلاد العرب ، وهم اليهود والنصارى ، قال تعالى حكاية عنهم : أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا [ الأنعام : 156 ] والطائفتان هم اليهود والنصارى . السؤال الثالث : ما الفائدة في تقديم أهل الكتاب في الكفر على المشركين ؟ حيث قال : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ ؟ الجواب : أن الواو لا تفيد الترتيب ، ومع هذا ففيه فوائد أن السورة مدنية فكأن أهل الكتاب هم المقصودون بالذكر وثانيها : أنهم كانوا علماء بالكتب فكانت قدرتهم على معرفة صدق محمد أتم ، فكان إصرارهم على الكفر أقبح وثالثها : أنهم لكونهم علماء يقتدي غيرهم بهم فكان كفرهم أصلا لكفر غيرهم ، فلهذا قدموا في الذكر ورابعها : أنهم لكونهم علماء أشرف من غيرهم فقدموا في الذكر . السؤال الرابع : لم قال مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ولم يقل من اليهود والنصارى ؟ الجواب : لأن قوله : مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ يدل على كونهم علماء ، وذلك يقتضي إما مزيد تعظيم ، فلا جرم ذكروا بهذا اللقب دون اليهود والنصارى ، أو لأن كونه عالما يقتضي مزيد قبح في كفره ، فذكروا بهذا الوصف تنبيها على تلك الزيادة من العقاب . المسألة الثالثة : هذه الآية فيها أحكام تتعلق بالشرع أحدها : أنه تعالى فسر قوله : الَّذِينَ كَفَرُوا بأهل الكتاب وبالمشركين ، فهذا يقتضي كون الكل واحدا في الكفر ، فمن ذلك قال العلماء : الكفر كله ملة واحدة ، فالمشرك يرث اليهودي وبالعكس والثاني : أن العطف أوجب المغايرة ، فلذلك نقول : الذمي ليس بمشرك ، وقال عليه السلام : « غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم » فأثبت التفرقة بين الكتابي والمشرك نبه بذكر أهل الكتاب أنه لا يجوز الاغترار بأهل العلم إذ قد حدث في أهل القرآن مثل ما حدث في الأمم الماضية . المسألة الرابعة : قال القفال : الانفكاك هو انفراج الشيء عن الشيء وأصله من الفك وهو الفتح والزوال ، ومنه فككت الكتاب إذا أزلت ختمه ففتحته ، ومنه فكاك الرهن وهو زوال الانغلاق الذي كان عليه ألا ترى أن ضد قوله : انفك الرهن ، ومنه فكاك الأسير وفكه ، فثبت أن انفكاك الشيء عن الشيء هو أن يزيله بعد التحامه به ، كالعظم إذا انفك من مفصله ، والمعنى أنهم متشبثون بدينهم تشبثا قويا لا يزيلونه إلا عند مجيء البينة ، أما البينة فهي الحجة الظاهرة التي بها يتميز الحق من الباطل فهي من البيان أو البينونة لأنها تبين الحق من الباطل ، وفي المراد من البينة في هذه الآية أقوال : الأول : أنها هي الرسول ، ثم ذكروا في أنه لم سمي الرسول بالبينة وجوها الأول : أن ذاته كانت بينة على